سأروي لكم تجربتي مع بيت العائلة .. انا شروق فتاة بسيطة ابلغ من العمر ٢١ عاما وقد وهبني لله قدرا من الجمال والرضا الداخلي بكل ما كتبه عليا، حُرمت مبكرا من والدي الذي كان الأمان والدفئ والحنان ولأول مرة أشعر بالخوف من الحياة، لكني كافحت لأتجاوز محنتي وشعوري بالفقد والخوف وتعايشت مرة أخرى في محاولات دائمة لتعويض والدتي عن غياب والدي الذي سيطول، لكن أمي كانت أقل مني تحملا وفاجئي القضاء والقدر بأختفاء أمي أيضا عني وتوفت لتلحق برفيق دربها.
الخوف من المجهول
شعرت بالحزن والوحدة والخوف من المجهول ومن عدم قدرتي على تحمل الأيام القادمة، وكنت دائما ما افكر هل سيأتي يوما وتكون لي أسرة مرة أخرى!
هل سيأتي من يعوضني الحرمان الذي أعيشه الآن من فقد الاب والأم وأنا في هذا السن ولم أمتلك الخبرة الكافية على مواجهة الحياة بمفردي، خاصة مع ما نراه وما نسمعه مما وصلت إليه الحياة من قسوة، ومع ذلك واصلت الحياة وحاولت التعايش مرة أخرى لكن هذه المرة بحذر.
نعم بحذر .. لأن مواجهة الحياة ليس أمرا سهلا وانا بمفردي، والحرص على أن لا يعلم أحد أنني أعيش بمفردي.
مواجهة الحياة
فقد كنت اقرأ وأسمع كثيرًا من خلال ما يحكى على لسان الناس ووسائل التواصل الاجتماعي عن قصص تشيب لها الولدان عن غدر الحياة والأشخاص السيئين بها.
وهذا ما جعلني أتمنى ألا أخرج من منزلي أبدًا، لكن مواصلة العيش سيحتم عليا الخروج والعمل الذي كان أمرًا لابد منه، والذي أصبح مع الوقت هو ملجئي الوحيد والآمن، حيث أصبحت أقضي معظم وقتي بالعمل حتى لا أعود إلى بيتي فأجلس وحيدة وخائفة.
فقد التحقت بالعمل بإحدى المستشفيات في طاقم التمريض بحكم أنني كنت قد تخرجت من معهد تمريض، وتسلل إلي شعور الانتماء للمكان وأحببت عملي جدًا، إلى أن وصل شاب في مقتبل العمر حوالي ٢٥ عاما، مُصاب في حادث سير، وكان في حالة خطرة جدًا تكون تكون حالته ميؤس منها، ودخل إلى العناية المركزة، كان بمفرده دون مرافق أو أصدقاء وكأن أهله لم يعلموا بما حدث له.
ظل أيام وأنا أراقبه وادعوا ألا يفارق الحياة، وحاولت البحث عن هوية هذا الشاب للوصول لأهله، لكن دون جدوى فهو لم يكن يحمل أي هوية حيث جاء من الحادث فاقد كل ما يخصه.
وكنت أسهر على رعايته جالسة طوال الليل أراقب حالته وكنت لا أكف النظر إليه، يا الله لقد كان وسيما جدًا، ومع الوقت بدأت أهمس في أذنه أروي قصتي لعله يسمعني يوما فتتشبث روحه بالحياة، واعتدت ذلك لدرجة اني كنت أنتظر موعد استلام عملي يوميًا لأهرول على غرفته مُسرعة وكأنه ينتظرني لأكمل الحكاية.

وفي اليوم الخامس من فقدانه للوعي، وصلت إلى العمل لأجد الأطباء والممرضات مجتمعين في غرفة العناية المركزة لإنعاش قلبه الذي توقف منذ بضعة ثوان، فأسرعت باكية وكأني أعرفه منذ زمن وأدعوا الله أن يُنجيه، وأقول له لا تذهب فهناك الكثيرين ممن يحبونك في الحياة ويتعلق طعم الحياة بوجودك بجوارهم، رجاء لا تذهب.
واخيرا فقد استجاب الله لدعائي ورجع قلبه ينبض مرة أخرى، استغرب الطاقم كله من الزملاء والأطباء من حالتي ومما فعلته لدرجة أنهم أصبحوا يسمونة (حالتي)، فكنت بمجرد وصولي إلى المستشفى كل يوم يقولون لي مبتسمين (حالتك في انتظارك).
وظل على هذا الحال ١٥ يومًا، إلى أن تفاجئات بأنه يفتح عينيه ويلتفت ببطئ لينظر إلي مبتسمًا، ويهمس بكلمات متقطعة (ألن تكملي لي الحكاية اليوم؟) وكانت المفاجأة انه كان يسمع كل شيء، ابتسمت فرحا.
تجربتي مع بيت العائلة
الحمد لله بدأ بعدها بالتعافي شيئا فشيء، وأعطاني بياناته وتواصلت مع أهله الذين كانوا يظنون أنه في سفر تابع لعمله، ومن هنا بدأت بيننا قصة حب، و تزوجنا وعشت معه أجمل أيام حياتي.
كنا نسكن في الطابق الثالث في عقار ملك لأهله، حيث كان أخوه الأصغر وزوجته في الطابق الثاني وأمه وأخته في الطابق الأول، كان والده متوفي، وشعرت حينها وكأن الله عوضني به لأعيش وسط أسرته وأشعر بالدفئ مرة ثانية لكن القدر لم يمهلني كثيرًا ونزع مني فرحتي .. يتبع من خلال الرابط بالضغط هنا

